أحاديث صحفية

Youssef ChahineYoussef Chahine

تضاربت الآراء كثيراً حول المخرج يوسف شاهين طيلة حياته المهنية. ولكن اجتمعت كافة الآراء على تصنيفه من المخرجين العرب القلائل الذين تجرأوا على تخطي الواقع الذي يعيشون فيه وهو واقع تكثر فيه الانشقاقات. وتبرز هذه النزعة جلية في حبه للانفتاح على الآخر وهذا ما يظهر في العديد من أفلامه مثل "جميلة" (1958) وهو فيلم يصور حياة المقاومة الجزائرية "جميلة بو هريد" إلا أن هذا الفيلم لم يحز على إعجاب الغرب وخاصة فرنسا. وظهر ذلك أيضاً، منذ الثمانينيات، عبر تعاونه مع مخرجين فرنسيين والذي برره البعض كانسحاب بعد إخراجه فيلم "وداعاً بونابرت" والذي يعرض اجتياح مصر بكثير من التساهل. كما ويظهر ذلك أخيراً في مواقفه الذي أخذها في التسعينيات عندما تضامن مع فنانين في إضراب عن الطعام إثر صدور قرار يحد من حرية التعبير.

هذه الأفكار وغيرها كانت تراودني وأنا في مصعد بناية شامبليون للقاء مع "الأستاذ" كما يلقبه مساعدوه. وفي مكتب المخرجة مريان خوري، شرحت لي هذه الأخيرة أن الأستاذ يفضل لقاء الصحافيين قبل الموافقة على المقابلة وبررت هذه "الروتين" نظراً لصحة الأستاذ ودوام عمله المشحون. لكن هذا الموقف دفعني للتساؤل إن كان ذلك مجرد تكتيك يلجأ إليه الأستاذ إثر تجاربه غير المشجعة مع الصحافة. وبعد انتظار دخلت مكتبه.

غرفة كبيرة، مكيفة، تضيئها أشعة شمس حزيران وقد جلس يوسف شاهين وراء مكتبه الأبيض وإلى جانبه فيلم "وداعاً لينين". وما أن قدمت نفسي حتى راح يحدق بي وأخذت بالتساؤل إن كان هذا الفحص الدقيق السريع كاف ليقرر الموافقة على المقابلة أو رفضها. كما تساءلت إن كانت قميصي الصفراء تزعجه أم رائحة عطري أم انه سيتذكر حادثة وقعت منذ 15 عاماً في الجامعة الأميركية حيث حضر لإلقاء محاضرة حول أفلامه واختلفت معه في تقييم مرحلة حكم عبد الناصر؟ أمر مستبعد... وسط كل هذه الحيرة اقتربت مني مريان، دعتني إلى الجلوس، وقدمتني له رافعة صوتها فأيقنت أن الأستاذ سمعه ثقيل.

وبادرني سائلاً إن كنت أريد احتساء شيء وقائلاً: "من أنت ؟ اخبرني." وأخذت اشرح له بهدوء وتأن عن نفسي، عن مشروع "اوروميد كافيه" وعلاقتي به مركزاً على إيجابيات المشروع.

تابعني بانتباه وصمت ثم وقف وأشار إلي أن أحضر في اليوم التالي وفي الساعة نفسها.

وفي الغد، وصلت في الموعد نفسه وفي جعبتي العديد من الأفكار. وكان الأستاذ بانتظاري وانتقلنا إلى شقة أخرى حيث يقع مكتبه ومكان عمله.

أشعل سيجارة وكأنه يتحدى منع التدخين. وفيما اختلطت الأسئلة في ذهني، بدأت أحضر آلة التسجيل الرقمية وكان هادئاً ينظر إلي بصبر منتظراً بدء المقابلة. وأوحى لي ملصق فيلمه "إسكندرية – نيويورك" أول سؤال فبادرته: "إن العيش بين حضارتين يشبه العيش مع امرأتين فهل يمكن التوفيق بينهما وكيف يحصل ذلك؟" أتتني إجابة هادئة على سؤال خلته صاعقاً يتجاوز الحدود فقال: "ليست المسألة مسألة حب امرأتين إنما هي العلاقة القائمة بينهما والتي ترتكز على التعرف بحضارتيهما وأفكارهما ورغباتهما وضعفهما. فشباب اليوم يرغبون في إنتاج أفلام لكن ينسون أن السينما تقوم على التحدث مع الآخر من عالم مختلف وبيئة مختلفة. ولكي تنجح في التحدث معهم يجدر بك التعرف بهم عن كثب". ويضيف مكملاً سيجارته: "علينا أن نتجه نحو الآخر ولا نستطيع ذلك إلا إن كنا على معرفة تامة بهذا الآخر. فأيامنا هذه توفر وسائل اتصال وانفتاح وتعلم واسعة خاصة عبر الانترنيت. يستطيع شبابنا اليوم الحصول على قدر كبير من المعلومات عبر الانترنيت أو الجرائد أو السينما وهذا كاف لتقريب المسافات بينهم. هذه الوسائل هي بمتناول الجميع وتمكنهم من توسيع معلوماتهم حتى في الأمور التقنية. فالتقنيات الحديثة أحدثت ثورة في عالم السينما. فبمقدور أي شاب أن يخرج فيلماً بمجرد اقتنائه آلة تصوير رقمية.

يطفئ سيجارته فأبادره مسرعاً: "لكن ألا تفترض معرفة الآخر معرفة تامة للذات؟"

فيجيبني: "إن الخطوتين متلازمتين. فعندما ينفتح المرء على ثقافته وميراثه تنشأ عنده فضولية التعرف بحضارة الآخر وتفكيره. المهم هو عدم الانغلاق على الذات، هذا هو التحدي الكبير. إذ الكثير منا يفترض أنه لمعرفة الذات علينا الانغلاق ورفض الآخر. هنا يكمن مصدر مشاكلنا اليوم."

ثم يشعل سيجارة أخرى ويتابع: "إن وضعنا الاقتصادي والاجتماعي يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم مما يضعف الأمل في نفوس شبابنا. فمجتمعاتنا تنغلق على نفسها بتزايد مما يضعف الاتصال بالآخر وبحضارته. فإن أخذت مثلاً الإسكندرية في الأعوام 30 و40 و50 لوجدتها مزيج أجناس بشرية من إيطاليين وفرنسيين ويونان... لقد كنا نتحدث 3 أو 4 لغات وكانت المدينة في حالة تفاعل دائمة ويومية ولم يكن الآخر لغزاً بالنسبة إلينا. أما اليوم فالمعطى كله تغير وأصبح التواصل معقداً وصعباً." عندها يطفئ سيجارته مؤذناً بانتهاء المقابلة ويقول لي: "هل أجبتك؟" أطفئ مسجلتي وأجيبه باسماً: "أجبتني."

Ahmed El Attar