أحاديث صحفية

Ahmed El AttarAhmed El Attar

" النصيحة "

أحمد العطار مخرج مسرحى ومترجم وكاتب مستقل يعيش فى باريس ويمارس عمله فى الشرق الأوسط . هو المؤسس لمسرح المعبد المستقل بمصر ,والمخرج المنفذ لأعماله المسرحية حصل على بكالوريوس أداب قسم مسرح من الجامعة الأمريكية بالقاهرة ودرجة الماجستير فى إدارة الفنون والثقافة من جامعة السوربون نوفيل – باريس 3 . أخرج عشرة مسرحيات حتى الأن وكانت أخر أعماله " ماما أنا عايز اكسب المليون " و" الحياة حلوة أو فى إنتظار عمى اللى جاى من أمريكا " و"فى الطريق الى ولا حتة ". وقد كتب وأنتج العطار الثلاثة عروض السابقة وتم عرضهم فى كل من مصر والأردن ولبنان والبرتغال وألمانيا والسويد.
العطار هو المسئول الأول عن تفعيل وتنظيم وتنفيذ ورش عمل تستهدف صغار الفنانين المستقلين بالشرق الأوسط للتدرب فى مجالات فنية عدة كالإضاءة المسرحية والموسيقى الالكترونية وفن الرسم الخ على يد فريق من الفنانين الأوروبيين المتخصصين فى هذه النواحى .
العطار هو عضو فى المجلس الاستشارى فى " أرت ايست " بنيويورك ورئيس (فيمك : المنتدى الثقافى الأورو – متوسطى ) فى باريس . فى سبتمبر 2004 سيقوم أحمد العطار بافتتاح المشروع الذى عمل من أجله طوال الأعوام السابقة وهو أول ساحة مستقلة للبروفات المسرحية فى مصر .

حانة مظلمة فيما يشبه الكهف الكبير. فوق كل مائدة شموع صغيرة هي مصدر الضوء الوحيد في المكان. في العمق الذي يكاد يكون معتماً، نرى البار بصعوبة. أما البار، أي في المستوى الثاني، نجد موائد ثلاثة. يحتل المائدة الأولى رجلان وحول المائدة الثانية امرأة ورجلان أما الثالثة فخالية.

في المقدمة، مائدة يجلس إليها على نحو موارب رجل. هو في نهاية الثلاثينات، هادئ، أسمر، ذو سمة أوروبية، يرتدي بنطلون جينس وقميصاً، يميل إلي الاسترخاء. من الزاوية المظلمة للمكان يظهر رجل في بداية الثلاثينات من عمرهن سحنته داكنة، يرتدي سترة زرقاء من الكتان وبنطلون جينس ماركة كالفين كلاي نوتي شورت أبيض. يحمل زجاجتين من البيرة، يجلس، يمد احداها إلي الرجل الجالس موارباً ويقول له:

- لا أستطيع أن أصدق أنها رحلت نحو الشرق؟

- مالك أنت وأن ذهبت إلي الشرق أو الغرب أو حتى نحو كوكب المشرى؟ ألن تكف عن التدخل في شؤونها؟

- (صمت، يرتشف كل منهما الجعة)

- هل أنت في انتظار وقوعها في غرامك؟

- (لا يجب مستمراً في الشرب)

- متى ستدرك أن هنا مختلف عن مدينتك؟

لا يهم حجم مدينتك انو الأسماء الجليلة التي تطلق عليها، باريس الشرق أو أميرة المتوسطى، لا يهم عدد الحكايات المحفورة على جدران أزقتها ذات العمر الغائر في القدم، فلن تشبه على أي حال مدننا. مدنك ذات الطابع الريفي حيث يعرف الناس جميعاً بعضهم البعض، يتحادثون ويتلقون صدفة في الشوارع، حيث مئات الألوف من البشر يمرون ذهاباً وإياباً تحت القيظ الخانق، مدنك/ قراك هذه، لا تمت بصلة بمدننا. انفعالاتك القوية عن الفرح أو الحزن والتي تعبر عنها دون تروي أو اعتبار للمحيطين بك، في أي وقت من النهار أو الليل، تلك الانفعالات لا محل لها هنا.

متى سوف تدرك أن في الوقت الراهن – على عكس الحقب الماضية – لم يعد لون الجلد أو الشعر المجعد هما السبب في إلحاقك الضرر. فاليوم، وجودك نفسه يضر بك.

إذا كف عن الحديث عن أوروبا وعن التوجه التي قررت أن تتخذه. ولا تتحدث عن نظريات أصل الثقافة الغربية المعاصرة بخاصة، وروابطها الثقافية المنسوجة عبر القرون بين شمال المتوسط وجنوبه. لن يصدقك أحد. كيف تود أن تقنع أحدهم بأن أجدادك، فاقدي الإيمان، أبناء محمد، بدوى الصحراء، قد أعادوا اكتشاف وترجمة الإرث الإغريقي، منبع تفاخر أوروبا، الذي ظل ممنوعاً داخل القارة نفسها والتي تحمل اسم تلك المرأة الجميلة التي مسخها زيوسي على هيئة ثور أبيض ذهبي القرنين.

كيف لك أن تقنعهم بأن عمل أجدادك في مختلفي مضامير المعرفة كان النبع الذي اعترف منه أقرانهم الأوروبيين لتأسيس قاعدة هي ركيزة المعرفة الحالية. وذلك من خلال تجميع ليس فقط المعرفة الإغريقية ولكن أيضاً معرفة الهنود والصينيين رغم بعد المسافة. ما لهم يصدقون أن كل هذا قد تم جلبه بشكل طبيعي داخل حوض المتوسطى الذي يشبه البانيو الذي يلهو ابنك بداخله كل مساء وبين يديه لعب من البلاستيك صنع الصين.

لن يصدق أحد.

يكفي أن نرى على تقاسيم وجهك الهم والحيرة، الاستفزاز والمرارة، الفخر والخطر لكي نفهم أن كل ما تدعيه هراء . يكفي أن نطئ مدينتك التي هي تجسيد حي للفوضى والبؤس لكي نفهم مغالطاتك. ويكفي أن نقرأ الإحصاءات الاقتصادية والاجتماعية وكذلك التحليلات الخاصة بالأنظمة السياسية الأبدية والتي لا تتغير سوى بتدخل الهي أو أمريكي، يكفي هذا حتى نفهم أن الحكايات التي ترويها ليست مدونة إلا في مخيلتك، داخل رأسك المثقلة بألف حكاية وحكاية، بألف مبرر ومبرر، بألف تفسير وتفسير... عن وجودك.

إذاً، ها هي أوروبا وقد اختارت، بيد أن اختيارها لم يتضمنك. وعلى الرغم من ذكائك الفكري وإرثك الثقافي ومكونات فكرك المتفاعلة، فإنك لم تجد شيئاً يخصصك لديها. هل تصورت أنك ستكتسب بين ليلة وضحاها قيمة في نظر أوروبا الجميلة؟ تلك التي استفزتك وجرتك خلفها وهي تعاملك بقسوة مثلما تفعل البغي التي تبحث عن لذتها على حساب الرجال العابرين.

هل تصورت حقاً أنها سوف تحبك يوماً؟

لم تكن أبداً جزءاً من اختياراتها ولن تكون. أنت لا تتجاوز كونك أداة لتحقيق أحلامها ومآربها، المكلفة في أحيان كثيرة. وذات ليلة، سوف تؤرقها وحدتها وافتقادها لعشيق مهيأ، هنا فقط، ستناديك، ربما وإذ بك تتصور في هذه اللحظة وكأنك أنت الذي اختارت. وتمر دقائق قليلة فتسمع الخواء في الطرف الآخر من السلك ليذكرك من جديد أنك أخطأت الفهم.

سوف تمضى وتتركك وحيداً مع حكاياتك، في انتظار مكالمة لاحقة، ربما لن تصلك، أبداً لدى مقترح، كف عن حبها، فأوروبا هذه ليست من شأنك.